
مجريتش على الباب، ولا واجهتها. جريت على المطبخ وكلمت البوليس وأنا بصوت واطي ومرعوش: “الحقوني، في شخص غريب مستخبي في بيتي، تعالوا بسرعة قبل ما يهرب”.
فترة انتظار البوليس كانت أطول من عمري كله. لما البوليس جه، أخدتهم ووقفت قدام الباب وأنا بشاور بإيد بتترعش: “هو جوه.. لسه جوه”.
الضابط خبط بقوة: “افتحي الباب.. بوليس!”.
لحظة سكوت، وبعدين صوت دنيا طالع مستغرب: “في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟”.
فتحت الباب وهي لابسة الروب وشعرها مبلول، وشها كان أبيض زي الورقة. العساكر دخلوا فتشوا كل ركن.. مفيش حد! لا ورا الستارة، ولا ورا الباب. والحمام كان فاضي!
أمال الصوت ده كان جاي منين؟
بدأت أشك في عقلي. هل أنا اتجننت؟ بس الضابط وهو بيفتش في السبت بتاع الغسيل، طلع أغراض تخص شخصاً آخر وملابس لم تكن تظهر من قبل.
الضابط بص لدنيا بحدة: “إيه ده؟ ومين اللي كان هنا؟ لازم تيجي معانا القسم توضحي الحقيقة”.
في القسم، وبعد ساعات من السكوت، دنيا بكت وقالت: “لازم أقول الحقيقة.. اسمعيني يا ماما بالله عليكي. اللي كان جوه ده لؤي، أخويا الصغير”.
أخوها؟! بس هي عمرها ما قالت إن ليها إخوات!
حكت قصة توجع القلب؛ إن أمها كانت عاملة بسيطة، وتزوجت سراً، وتوفي والد لؤي قبل ولادته وتركتهم ظروف الحياة القاسية بلا مأوى. دنيا عاشت طول عمرها بتداري أخوها اللي ملوش حد غيرها في الدنيا..
لؤي كبر واتبهدل، واشتغل أعمال حرة، بس وقع في ديون ومشاكل كبيرة وهددوه بالخطر. مكنش قدامها غير إنها تخبيه عندها، وكانت بتدخله من شباك الحمام المنور كل يوم بالليل عشان يأكل ويستحمى وينام في مخزن صغير ورا الحمام، وتطلعه قبل الفجر.
الدموع نزلت من عيني. حسيت بوجعها وبخوفها، بس الغلط كان كبير. ليه مقلتيش يا بنتي؟ كنا ساعدناه.
قالت وهي بتمسح دموعها: “كنت خايفة يا ماما.. خايفة تفتكروني بكدب، أو تطردوني أنا وهو، ومكنتش عايزة أصغر ياسين في نظر الناس”.
كلمت ياسين وحكيتله كل حاجة. كان مصدوم، بس قلبه كان حنين. رجع من السفر مخصوص، وبدل ما يطردها، قعد معاها ومع أخوها لؤي اللي ظهر وبان عليه الانكسار.
ياسين قال لدنيا جملة واحدة: “إحنا أهل، والأهل مبيخبوش على بعض الهم. لؤي أخويا زي ما هو أخوكي، وهنحل مشكلته سوا، بس مفيش كدب تاني”.
وفعلاً، ياسين ساعد لؤي يسدد ديونه، وساعده يدور على شغل قانوني ويثبت ورقه. دنيا اتعلمت إن الثقة أهم من الخوف، وأنا اتعلمت إن مش كل اللي بنشوفه بيبقى سيئ، ساعات بيبقى وجع مستخبي ورا باب مقفول.
البيت رجع هادي تاني، بس المرة دي السكوت مكنش كدبة، كان راحة بال حقيقية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




