قصص و روايات

بابا ضهري بيوجعني

المستشفى والقرار الصعب
بعد نص ساعة بالضبط، طارق كان في قسم الطوارئ بالمستشفى، شايل سما وهي نايمة على كتفه من التعب والإرهاق الشديد. الدكتور أول ما شاف الأشعة والفحوصات، وشه اتغير تماماً وبان عليه القلق؛ الكدمة شديدة جداً وفيه شرخ بسيط في ضلعها الصغير. طارق حس إن الدنيا بتمد ببه وبتميد تحت رجليه؛ شرخ في ضلع بنته البريئة! بنته الصغيرة كانت ماشية بضلع مكسور وهو بيكلمها على مكالمة الفيديو قبل أيام يقولها بابا جاي لك بهدية مفرحة. الدكتور سأله بهدوء جاد: “دي أول مرة تحصل؟”. طارق سكت تماماً وعجز عن الإجابة، لأنه فجأة افتكر تفاصيل كتير جداً كان بيعديها؛ افتكر خوف سما المفاجئ من أي صوت عالي أو مفاجئ، وافتكر إنها كانت بتتأسف طول الوقت حتى وهي معملتش أي غلط، وافتكر إنها كانت بتستخبى في الزوايا لما حد يعلي صوته. كل العلامات كانت واضحة قدامه طوال الشهور اللي فاتت، بس هو للأسف كان غايب عن الحقيقة.

في البيت، داليا كانت منهارة تماماً، لكن مش من الندم أبداً، بل كانت مرعوبة وخايفة، لأنها عارفة كويس إن طارق شاف الحقيقة بعينه المجردة ومفيش مجال للإنكار. وفي اللحظة دي بالتحديد، موبايلها رن بشدة، وكانت المتصلة هي أمها. ردت بسرعة وهي بتعيط بانهيار: “ماما.. طارق عرف كل حاجة”. لكن الصدمة الكبرى كانت في رد أمها اللي اتكلمت ببرود تام وقالت لها: “قلت لك متسيبيش علامات واضحة قدامه”. داليا سكتت بصدمة تامة من رد فعل أمها. وفي نفس اللحظة، طارق كان واقف برا باب الأوضة وسامع كل كلمة دارت بينه وبين حماته بوضوح كامل. إيده شدت على مقبض الباب بقوة وعنف، لأن الحقيقة طلعت أوسخ وأقبح مما كان يتخيل؛ ده مش مجرد انفجار غضب مؤقت أو لحظة عصبية عابرة، دي للأسف طريقة تربية مريضة ومتوارثة وأسلوب قاسي متأصل في العائلة.

تاني يوم الصبح، طارق أخد قرار حاسم ومصيري محدش كان يتوقعه نهائياً؛ جمع كل هدوم وأغراض سما الشخصية في حقيبة كبيرة، وطلع بيها فوراً على بيت أهله. أمه أول ما فتحت الباب وشافت الكدمات الواضحة والآثار المرعبة على جسم البنت الصغيرة، قعدت تعيط بانهيار وبوست راسها ويداتها بحرقة: “يا ضنايا.. كان كل ده بيحصلك وبعيد عن عينينا؟”. سما بصت لجدتها بخوف وقالت بصوت مكسور: “أنا عملت حاجة وحشة عشان يحصل فيا كده؟”. الجدة انهارت أكتر وضممتها لصدرها: “لا يا حبيبتي.. الكبار هما اللي غلطانين وظالمين”.

أما داليا، فاتفاجئت بعد يومين فقط بوصول أوراق رسمية ومستندات قضائية مهمة إلى منزلها؛ دعوى قضائية كاملة لطلب الحضانة، وتقارير طبية رسمية مفصلة من المستشفى تؤكد الإصابة والشرخ، وصور واضحة للكدمات، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية مسجلة من كاميرات المراقبة المنزلية توثق صراخ سما واستغاثاتها المتكررة. داليا حاولت تنكر وتهدد، لكن المحكمة والجهات المختصة شافت الحقيقة كاملة وواضحة كالشمس. وفي جلسة قضائية صامتة ومؤثرة، القاضي أصدر قراره الحاسم بأن حماية الطفل وسلامته النفسية والجسدية أهم من أي اعتبار آخر، وبالفعل خسرت داليا حضانة بنتها تماماً وبشكل قانوني نهائي.

البداية الجديدة والبيت الآمن
عدت شهور طويلة وثقيلة، ولكن سما بدأت تتغير فيها تدريجيًا وبشكل ملحوظ؛ رجعت تضحك من قلبها، وترسم بحرية، وتنام الليل بهدوء من غير ما تصحى مرعوبة على صوت صرخات أو تهديدات. لكن أكتر لحظة أثرت في طارق وخليته يعيط بدموع حقيقية من جوه قلبه، كانت لما دخل أوضتها يوم من الأيام ولقاها ماسكة ألوان وراسمة لوحة جميلة فيها بيت كبير وواسع، شمس مشرقة تملأ المكان، وإيدين أناس ماسكين في بعض بقوة وبمحبة. وسما كتبت بخط إيدها الصغير فوق الرسمة عبارة بسيطة لكنها تعني العالم كله: “البيت اللي مفيهوش خوف”.

طارق حضن الورقة دي لصدره بقوة ودموعه نزلت على إيده، ووعد نفسه وعداً قاطعاً لا رجعة فيه إن بنته عمرها ما هتحتاج أبداً تهمس بطلب النجدة أو تخاف من بكرة تاني، وإن حياتها الجاية هتكون مليانة أمان وحب واستقرار بعيداً عن أي قسوة أو خوف.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى