Uncategorized

مصر الآن إنا لله وإنا إليه راجعون

آه، كم من كلم,,اتٍ تُحشر في الص,,در، وتُحبس خلف الجفون، فتتحول إلى دـ,ـموعٍ صامتة لا صوت لها سوى حسرة القلب. هذا المشـ,ـهد الذي رسمته بكلم,,اتك القليلة، ليس مجـ,ـرد خبر عابر في نهاية نشرة أخبار، بل هو زل,,زالٌ يهز كيان أسر بأكملها، ويُعيد رسم خريطة الألم في نفوس من عاشوا اللحظة، ومن قرأوها.

تخيل معي: بيوتٌ كانت تنتظر طقطقة المفتاح في الباب، وصوت الحذاء المألوف في المدخل، وابتسامة الابن أو الأب أو الأخ القادم من يوم عمل شاق، ليجتمع الجميع حول مائدة إفطار تنتظر فقط قدومهم لتبدأ. طعامٌ أُعد بحب، وتمرٌ نُظم في صحن، وماءٌ باردٌ وضع في الثلاجة خصيصًا لهذه اللحظة. كل شيءٍ جاهز. كل القلوب متجهة نحو الباب.

مقالات ذات صلة

لكن الباب لم يفتح بيدٍ تمسك بالمفتاح.
بل فُتح على مصراعيه ليدخل منه حمّالون، يحملون على أكتافهم أحباء، لكنهم هذه المرة لا يحملونهم إلى الدار، بل يحملونهم منها إلى دارٍ لا عودة منها. تلك الأكتاف التي كانت تحملهم وهم أطفالٌ يلعبون، تحملهم الآن وهم رفاتٌ تائها بين عالمين.

هذه ليست “ح,,ادثة طريق”. هذه جريمة في حق الحياة. في حق الضحك الذي كان على وشك أن يدوّي في الغرفة. في حق الأمنيات التي كانت تُحكى بين أطباق الطعام. في حق الأم التي كانت تعدّ العدة لترى ابتسامة الشبع على وجه ولدها بعد صيام يوم طويل. كيف لها أن تصبر على فراق من كانت تستعد لتروي عطشه؟ كيف لقلبها أن يتحمل أن أول من يدخل بيتها في هذا اليوم المبارك هو نعشٌ بدلًا من ضيفٍ عزيز؟

إنها “بيوت انكسر فيها الضهر” حقًا. الضهر الذي كان عماد الأسرة، وسندها، وحامل همومها. انكسر فجأة، وترك الجميع في حالة من عدم التوازن، لا يعرفون كيف سيقفون مرة أخرى. صورة الأب أو الابن أو الأخ وهو يُحمل على الأكتاف، هي صورة الانكسار بعينه. انكسار الجسد، وانكـ,ـسار الأمل، وانكـ,ـسار كل التوقعات العادية البسيطة للحياة.

وما أقسى توقيت الرحيل! في لحظة كانت كل الاستعدادات تدور حول العطاء واللقاء والبركة: قبل أذان المغرب بلحظات. في الوقت الذي تنتظر فيه الأرواح أن تلتقي حول النعمة، التقت أرواحهم بالخالق، وتركت أجسادهم شاهدة على فجائية القدر وقـ,ـسوة المصادفة. صيامهم الذي كان يجب أن ينتهي بتمرة وماء، انتهى بلقاء مع الكريم المنان. ربما في هذا عزاءٌ ما لمن يؤمن، أنهم انتقلوا من جـ,ـوعٍ وعطش اختياريين، إلى رضوانٍ ونعيم أبدي. أنهم ختموا حياتهم بأعظم عبادة، في أعظم شهر. لكن هذا العزاء الفلسفي يصطدم بحائط القلب الإنساني النازف، الذي يريد حض,,نًا دافئًا، وليس فكرة مجردة.

لذا، عندما تقول “ربنا يرحمهم ويغفر لهم، ويجعل صيامهم شفيعًا لهم”، فأنت تلمس جوهر الرحمة في هذا الموقف المأساوي. أن تجعل من هذا الصيام – الذي كان آخر ما قدموا في دنياهم – وسيلةً لهم عند ربهم، وجسرًا يعبرون به إلى جنته. وأن تصبر قلوب أهلهم، فهذا هو الدعاء الذي لا يملك الإنسان سواه. فالصبر هنا ليس قبولًا، بل هو قدرة على التنفس مع الألم، والمشي مع الفقد، ومواصلة الحياة مع وجود ثقب أسود في مكان كان يشغله إنسان.

هذه الحوادث تذكرنا بهشاشتنا المطلقة. بأننا مسافرون في هذه الدنيا، وأن تذكرة العودة قد تُطلب منا في أي لحظة، دون سابق إنذار، في طريق عادي، في يوم عادي، كان من المفترض أن يكون مميزًا. تذكرنا بأن قيمة اللحظة التي نعيشها الآن، مع من نحب، هي أغلى من كل كنوز الأرض. وتصرخ في وجوهنا أن “الغد” وعد غير مضمون، وأن كل ما نملكه حقًا هو “الآن”.

فلنعش الآن. فلنحب الآن. فلنسامح الآن. فلنحتضن الآن. فلنقل الكلم,,ات الطيبة الآن. فلنملأ بيوتنا ضحكًا وذكرًا لله الآن. لأن الغد قد يأتي، وقد لا يأتي أحدنا ليجد من ينتظره.

رحم الله من رحلوا في طريق العودة إلى بيوتهم، ولم يصلوا إلا إلى دار القرار. وغفر لهم، وألهم أهلهم الصبر والسلوان. وجعلنا وإياهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى