روايات وقصص

المطعم كله سكت

لو وصلتك الرسالة دي، يبقى الزمن جابك أخيرًا للمكان اللي كنت مستنيكي فيه.
أمك أنقذت حياتي، لكني ما قدرتش أرد لها الجميل بالشكل اللي تستحقه.
فيه أمانة تخصك، اتسابت عندي يوم ولادتك. وأنا وعدت أمك إني أحافظ عليها لحد ما تكبري.
المفتاح ده هيوصلك للحقيقة.
لكن خلي بالك، مش كل اللي يحمل اسم المنشاوي يستحق الثقة.
توقفت ملك عن القراءة.
رفعت رأسها ببطء.
يعني إيه مش كل اللي يحمل اسم المنشاوي؟
آدم ما ردش فورًا.
كان باصص للصورة القديمة بتركيز شديد.
ثم قال لأن أبويا غاب راحل.
في اللحظة دي، اتفتح باب المكتب بعنف.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض وملامحه جامدة، ووراه اتنين من الحراس.
قال بصوت غاضب آدم! إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه اللي جاب البنت دي الفيلا؟
آدم وقف بهدوء.
عمي فؤاد، دي ملك عبدالسلام.
فؤاد بص للصورة اللي في إيدها، ولأول مرة شافت ملك الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بسرعة مين اداكي الصورة دي؟
رد آدم أبويا.
فؤاد ضحك بسخرية أبوك غاب من سنين. وإنت لسه مصدق الخرافات اللي كان بيقولها؟
آدم قرب منه خطوة.
أنا مش مصدق خرافات. أنا بقرأ وصيته.
فؤاد بص لملك وقال بحدة البنت دي لازم تمشي فورًا.
لكن أورايون اللي كان مستلقي جنب المكتب وقف فجأة، وطلع صوت زمجرة منخفضة.
فؤاد رجع خطوة لورا.
ملك لاحظت حاجة غريبة.
أول ما فؤاد دخل، أورايون ما كانش متوتر.
لكن لما قرب من الظرف الموجود على المكتب، الكلب بدأ يزمجر.
آدم لاحظ ده كمان.
قال للحراس خدوا عمي للاستراحة.
فؤاد انفعل إنت بتطردني من بيت أبوك؟
رد آدم ببرود لأ. أنا بس مش عايز أتكلم قدام حد مش واثق فيه.
خرج فؤاد، لكن قبل ما الباب يتقفل، بص لملك نظرة خلتها تحس إن وجودها في الفيلا مش هيمر بسلام.
بعد خروج فؤاد، طلبت ملك من آدم إنها ترجع بيتها.
قالت أنا مش عايزة أدخل في مشاكل عيلتكم. أنا بنت بسيطة، وبشتغل عشان أعيش. أمي غابت من تلات سنين، وما عنديش حد غير نفسي.
آدم بص لها بهدوء.
عارف.
استغربت.
تعرف إيه كمان؟
فتح الملف وطلع ورقة.
عارف إنك ساكنة في شقة إيجار في إمبابة، وإنك بتشتغلي ورديتين، وإن والدتك قبل غيابها كانت بتتعالج من مرض مزمن، وإنك بعتي دهبها عشان تسددي مصاريف علاجها.
ملامح ملك اتشدت.
إنت بتراقبني؟
آدم فهم غضبها، فقفل الملف فورًا.
معاكي حق تزعلي. رجالي جمعوا معلومات عنك عشان أتأكد إنك فعلًا بنت سعاد. لكن مش معنى كده إن ليّ حق أتدخل في حياتك.
سكت شوية وبعدين قال
أنا مش عايز أشتريكي بفلوسي، ولا أطلب منك تفضلي هنا. لكن عايز أعرف إيه اللي أبويا كان مخبيه.
ملك بصت للمفتاح.
طيب نروح نشوف.
المفتاح فتح صندوقًا حديديًا صغيرًا موجودًا في غرفة قديمة بالطابق السفلي.
الصندوق كان عليه طبقة تراب، وكأنه محدش قرب منه من سنين.
جواه لقوا
شهادة ميلاد قديمة باسم ملك عبدالسلام.
عقد ملكية لمخزن كبير في منطقة شبرا.
دفتر حسابات.
شريحة ذاكرة صغيرة.
ورسالة تانية مكتوب عليها تُفتح فقط لو اختفى فؤاد.
آدم اتجمد مكانه.
اختفى فؤاد؟
ملك فتحت الرسالة.
يا آدم…
لو وصلت لليوم اللي تضطر فيه تفتح الرسالة دي، يبقى فؤاد عرف إن الأمانة لسه موجودة.
قبل غيابي، اكتشفت إن أخويا كان بيسرق من الشركة وبيستخدم رجالة العيلة في تجارة ممنوعة. لما واجهته، ضايقني، وبعدها حصل الحادث اللي دخلت بسببه المستشفى.
سعاد أنقذتني، لكنها شافت بنفسها الورق اللي يثبت جرائمه.
أنا طلبت منها تخفي الأمانة، لأنها الشاهد الوحيد اللي كنت واثق فيه.
أما ملك، فهي مالهاش أي ذنب في صراعاتنا.
ما تخليهاش تدفع تمن أخطاء عيلتنا.
آدم نزل الرسالة ببطء.
كان واضح إن اسم عمه بدأ يتحول في عينه من مجرد شخص مختلف معاه إلى شخص ممكن يكون دمّر حياة أبوه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في دفتر الحسابات.
الدفتر كان فيه تحويلات مالية ضخمة، بأسماء شركات وهمية، وتواريخ متطابقة مع أيام غياب أشخاص كانوا شغالين مع محمود المنشاوي.
وفي آخر صفحة، اسم واحد متكرر
فؤاد المنشاوي.
في نفس الليلة، ملك رجعت شقتها، لكن آدم أصر إن حارسين يفضلوا بعيد عنها في الشارع، من غير ما يدخلوا بيتها أو يتدخلوا في حياتها.
كانت بتحاول تستوعب كل اللي حصل، لما موبايلها رن.
رقم مجهول.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت راجل خشن
اسمعيني كويس يا ملك. اللي حصل النهارده ما يتكررش. سلّمي المفتاح والورق، وانسي اسم المنشاوي للأبد.
ملك سكتت.
الراجل كمل
إنتِ مش فاهمة إنتِ دخلتي نفسك في إيه.
ردت بصوت مرتعش لكنه ثابت
أنا مش معايا حاجة تخصك.
ضحك.
إنتِ معاكِ حاجة ممكن تخلّي ناس كتير تدخل. ولو آدم فاكر إنه هيقدر يحميكي، قوله يفتكر اللي حصل لأبوه.
وقفل.
ملك فضلت ماسكة الموبايل، وإيديها بتترعش.
بعد دقائق، وصلتها رسالة من رقم تاني
أمك غابت وهي بتحاول تخبي الحقيقة. ما تعمليش زيها.
وقتها انهارت.
لكنها ما كانتش عارفة إن الرسالة دي بالذات هتكون أول غلطة يقع فيها الشخص اللي بيضايقها.
تاني يوم، راحت ملك لمكتب آدم ومعاها الموبايل.
أول ما شاف وشها، قام من مكانه.
إيه اللي حصل؟
ناولته الموبايل.
قرأ الرسائل، وملامحه بقت جامدة بشكل مخيف.
قال مين يعرف رقمك غيري؟
المدير، والمطعم، وشوية ناس.
آدم ضغط على زر الاتصال الداخلي.
عايز أعرف مصدر الرقم ده، وكل الرسائل اللي اتبعتت للرقم ده.
ملك وقفت قدامه وقالت
أنا مش عايزة حد يتضايق بسببي.
آدم بص لها.
أنا كمان مش عايز حد يتضايق. بس فيه فرق بين إني أحميكي، وبين إني أسيب اللي بيضايقك يكمل.
ثم سألها إنتِ فاكرة إن والدتك كانت خايفة من حد؟
ملك فكرت شوية.
قبل ما تغيب بشهور، كانت بتصحى من النوم مفزوعة. وكانت كل شوية تقولي لو حصلها حاجة، ما أفتحش درج ماكينة الخياطة القديمة.
آدم وقف مكانه.
ماكينة الخياطة فين؟
في بيتنا القديم في دمنهور. لسه موجودة عند خالتي.
في نفس اليوم، سافروا لدمنهور.
وكانت المفاجأة إن درج الماكينة كان فيه فلاشة تانية، وصورة لوالدة ملك مع محمود المنشاوي،

وورقة صغيرة مكتوب فيها
الشاهد الحقيقي مش في الدفاتر… الشاهد في الصوت.
رجعوا القاهرة، ووصلوا لمكتب خاص بفحص التسجيلات القديمة.
الفلاشة كان عليها تسجيل صوتي مدته 11 دقيقة.
الصوت الأول كان صوت محمود المنشاوي
فؤاد، أنا عرفت كل حاجة. عرفت إنك بتزوّر الحسابات وبتستخدم الشركة في غسيل الفلوس.
ثم جاء صوت فؤاد
إنت مش هتقدر تعمل حاجة. الشركة دي من حقي زي ما هي حقك.
هسلّم كل الأدلة للنيابة.
ولو عملت كده، مش هتشوف الصبح.
بعدها سُمع صوت ارتطام قوي، وصراخ، ثم صوت فؤاد بيقول
خدوه المستشفى، وخلي الموضوع يبان حادثة. محدش يعرف إنه كان بيتكلم معايا.
انتهى التسجيل.
ملك حطت إيديها على فمها.
يعني أبويا… عمي إيذاءه؟
آدم ما ردش.
كان واقف وظهره ليها، وإيده مقبوضة بقوة.
بعد لحظات قال
أبويا كان بيحاول يحميني من الراجل اللي المفروض يكون أقرب حد ليا.
ثم التفت لها.
بس المرة دي مش هسيبه يهرب.
المشكلة إن فؤاد كان أذكى مما تخيلوا.
قبل ما يقدموا الأدلة للجهات المختصة، اكتشف إن آدم وصل للتسجيل.
وفي الليلة نفسها، دعا آدم لاجتماع عائلي في قصر المنشاوي القديم، بحجة إنه عايز ينهي الخلاف.
آدم رفض في البداية، لكن ملك لاحظت إن فيه حاجة غريبة.
قالت له
هو ليه مستعجل يشوفك؟
رد غالبًا عايز يعرف إحنا وصلنا لإيه.
ملك فكرت لحظة وقالت
طب ما نروحش من غير ما نكون مجهزين كل حاجة.
آدم ابتسم.
واضح إنك مش مجرد بنت بتعرف تطبطب على الكلاب.
ردت أنا بنت اتعلمت إن اللي بيخاف لازم يفكر قبل ما يتحرك.
في القصر القديم، كان فؤاد مستنيهم في الصالون الكبير.
ابتسم لما شاف ملك.
أهلًا ببنت سعاد. أخيرًا شوفنا بعض.
ملك ما ردتش.
آدم قعد قدامه وقال خلينا نختصر. أنا عرفت الحقيقة.
فؤاد ضحك.
الحقيقة؟ إنت عايز تصدق إن أبوك كان ملاك وأنا الشيطان؟
آدم طلع نسخة من التسجيل وحطها على الترابيزة.
وش فؤاد اتغير.
قال ببطء التسجيل ده مش دليل على حاجة.
رد آدم فيه تسجيلات، وتحويلات بنكية، وشهود.
فؤاد قام من مكانه.
إنت فاكر إنك تقدر تسلمني؟ أنا اللي بنيت نص الإمبراطورية دي!
آدم وقف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى