عام

عمدة الشرطة

ض عليّا عمدة الشرطة في مطعم من غير ما يعرف أنا مين… ولما فتحوا محفظتي اكتشفوا كارنيه القاضية الفيدرالية!
كلبش حديد تقيل اتقفل حوالين معصمي الشمال قبل ما ألحق أنزل الشوكة من إيدي.
حطي إيديك ورا ضهرك، حالًا!
صوت عمدة الشرطة حسن الشناوي دوّى في المطعم الصغير، وسكت المكان كله. الزباين جمدوا في أماكنهم، بينما ضغط على كتفي وزقني في الكنبة الجلد الحمرا.
ما صرختش ولا اترعشت. فضلت ثابتة وبكمل مضغ السمك المقلي اللي كنت باكله.
أنا أميرة الكيلاني، عندي أربعة وأربعين سنة، ومن ست سنين قاضية فيدرالية في المحكمة الجزئية الأمريكية.
لكن جاكيت الجينز والضفاير اللي في شعري خلّوا حسن الشناوي يشوف قدامه مجرد ست سمراء، فاكر إنها ضعيفة ومالهاش حد يحميها.
ماكانش يعرف إن في شنطتي كارنيه هويتي القضائية، ولا سبب وجودي في المحافظة، ولا الخطابات اللي بقالها أربعة شهور محفوظة في مكتبي بأتلانتا.
قلت له بهدوء
إنت بترتكب غلطة كبيرة يا حضرة العمدة.
رد باستهزاء
أنا مابغلطش في محافظتي يا ست!
لف دراعي پعنف لورا وقفّل الكلبش التاني، وقال
إنتِ مطابقة لأوصاف واحدة مشتبه فيها في قضية تجاوز بالإكراه باستخدام أداة، ودلوقتي كمان بتقاومي القبض عليكِ.
مع إني ما اتحركتش ولا عليت صوتي، شدني من الكنبة لدرجة إن الترابيزة اتهزت وكوباية الميه وقعت. الزباين اتفرجوا في صمت، حتى الراجل الكبير اللي حاول يقوم رجع قعد لما شاف نظرة حسن.
في مقاطعة بيل بولاية جورجيا، محدش كان بيتجرأ يتحدى حسن الشناوي من أكتر من اتناشر سنة.
قرب من ودني وهمس
في بلدنا دي محدش هيسمعك لو صوتي، ومحدش هييجي ينقذك.
خرج بيا لعربية الشرطة، ووكيل شرطة شاب اسمه يوسف مشي ورانا وهو شايل شنطتي. كان موبايلي الحكومي بيهتز جواها بتنبيه عاجل من رئيس المحكمة الفيدرالية.
حسن كان فاكر إنه أهان ست غريبة مالهاش حد يدافع عنها، وماكانش متخيل هو قبض على مين، ولا إن مشاكله الحقيقية لسه ما بدأتش.
سبب وجودي في مقاطعة بيل كان مهم. القضاة الفيدراليين مش بيسافروا للبلدات الصغيرة علشان يدوروا على خناقات.
جذور عيلتي من المحافظة دي. خالتي نوال الكيلاني، عندها ستة وسبعين سنة، عايشة على قطعة أرض مساحتها حوالي أحد عشر فدانًا على طريق أولد ميل. وبعد أربعة وتلاتين سنة في تدريس الصف الثالث الابتدائي، لسه بتبعت لي قصاصات من الجرائد المحلية، ومع كل
قصاصة ورقة صغيرة مكتوب عليها قلت أكيد هتحبي تشوفي الخبر ده يا حبيبتي.
لكن القصاصات اللي بعتها لي في الربيع اللي فات كانت مقلقة.
ميكانيكي اتقبض عليه لمجرد وقوفه جنب ورشته، وشماس اتهموه بعرقلة الشرطة لأنه سأل عن سبب تفتيش ابنه، وأرملة خسړت بيتها في مزاد ضرائب بعد ما قضت تسعتاشر يوم في التوقيف على اتهام اتلغى بعد كده.
وفي يونيو، بعتت لي خالتي ظرفًا بنيًا جواه واحد وتلاتين خطابًا من سكان المحافظة. كلهم بيشتكوا من عمدة الشرطة حسن الشناوي.
قالت لي في التليفون
الناس دي بعتت شكاوى لمكتب التحقيقات في الولاية وللحاكم ومجلس المحافظة، وماحدش عمل حاجة. وبعضهم بعد تقديم الشكوى بأسبوع، أفراد الشرطة راحوا بيوتهم يسألوهم إنتوا ليه بتعملوا مشاكل؟
كانت عارفة إني قاضية ومش من حقي أحقق في الوقائع دي، لكنها كانت بتتمنى إن حد في أتلانتا يقرأ الخطابات ويوصلها لجهة تقدر تتصرف.
تاني يوم، أخدت الخطابات لرئيس المحكمة الفيدرالية، المستشار فؤاد عبد الرحمن. نسخناها وسجلنا تفاصيلها، وبعدها بعتها لمكتب المدعي العام الأمريكي وفريق مكافحة الفساد التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي في أتلانتا.
وثّقت صلة القرابة
بيني وبين خالتي، وتعهدت
أتنحى عن أي قضية تنتج عن التحقيق.
كنت فاكرة إن دوري انتهى عند كده.
لكن من تلات أسابيع، خالتي نوال وقعت واتأثر مفصل الفخذ، فأخدت إجازة علشان أساعدها في فترة التعافي.
المستشار فؤاد كان عارف إني هناك، وقال لي محذرًا
مقاطعة بيل مش أتلانتا يا أميرة. خلي بالك من نفسك.
في اليوم الرابع، سبت خالتي بتستريح جنب أخصائي العلاج الطبيعي، وروحت أجيب أدويتها من صيدلية برويت. وبعدها دخلت مطعم ماجنوليا آكل سمك مقلي.
ماكانش في لبسي حاجة تدل على مهنتي، وما أعلنتش عن هويتي. طلبت الغدا، وبعد اتنين وعشرين دقيقة حسن الشناوي قبض عليّا.
المركز كان على بُعد ست دقايق بالعربية. حسن كان سايق بإيد واحدة وبيهمهم مع أغاني الراديو، وكل شوية يبص لي في المراية ويبتسم.
يوسف كان قاعد جنبه، وشنطتي على رجليه. شكله ماكانش يعدّي خمسة وعشرين سنة، وكان واضح إنه عايز يتكلم لكنه خاېف.
قال حسن
أول ما نوصل، سجّل بياناتها واعرف كانت بتعمل إيه في محافظتي.
وبعدها قال باستهزاء
غالبًا كانت بتراقب الصيدلية. فيها أدوية مهدئة، وأنا شوفت أشكال زيها كتير.
فضلت باصة من الشباك للحقول وأشجار الصنوبر، وباخد نفسي بهدوء. كنت فاكرة نصيحة
جدتي خلي نفسك في إيدك وعقلك في إيدك. محدش يقدر ياخد منك الاتنين إلا لو سلمتيهم له.
مركز الشرطة كان مبنى قصير من الطوب البيج جنب ميدان المحكمة. ريحة القهوة المحروقة وملمع الأرضيات مالية المكان.
حسن أمر يوسف يدخلني على مكتب التسجيل، وبعدها دخل مكتبه وقفل الباب پعنف.
أثناء ما يوسف كان بيفتش شنطتي علشان يسجل محتوياتها، موبايلي الحكومي اهتز تاني. فتح المحفظة ولقى حافظة جلدية سوداء وراها.
جواها كارنيه عليه ختم النسر الذهبي، ومكتوب فيه
محكمة الولايات المتحدة الجزئية المنطقة الشمالية من جورجيا.
وتحته صورتي واسمي
القاضية الموقرة أميرة ج. الكيلاني، قاضية المحكمة الجزئية الأمريكية.
أصابعه اتجمدت، ووشه شحب.
همس
القاضية أميرة الكيلاني؟ قاضية المحكمة الجزئية الأمريكية؟
الموظفة اللي ورا المكتب شالت نظارتها ووقفت، ووكيل الشرطة اللي على الكمبيوتر رجع بكرسيه لورا.
يوسف نادى حسن بصوت مرتعش
يا فندم، لازم تطلع هنا حالًا!
خرج حسن متجهمًا، لكن أول ما شاف الكارنيه في إيد يوسف، التعجرف اختفى من وشه.
خطڤ البطاقة وفضل يفحصها تحت الضوء، كأنه بيدور على دليل إنها مزورة.
وفي اللحظة دي، شاشة موبايلي نورت برسالة
من المستشار فؤاد
أميرة، إنتِ فين؟ اتصلي بيا فورًا. مكتب التحقيقات الفيدرالي أبلغنا إن التحقيق في مقاطعة بيل هيتحرك النهارده، وممكن يكون فيه عملاء في هالفورسن سبرينجز بعد الضهر. أكدي إنك بخير وبعيدة عن مركز الشرطة.
يوسف قرأ الرسالة، ووشه بقى شاحب تمامًا.
رفعت عيني لحسن وقلت
يا حضرة العمدة، إنت قلت لي إن محدش هييجي ينقذني. كنت صح في حاجة واحدة بس… فيه حد جاي فعلًا، لكنه مش جاي علشاني أنا.
حسن تمتم
ده مستحيل! محدش قال لي إن فيه قاضية فيدرالية موجودة في المحافظة!
قلت له
إنت قبضت عليّا من غير سبب قانوني كافي، واتهمتني بمقاومة الاعتقال رغم إني ما قاومتش. ودلوقتي، بعد ما عرفت أنا مين، عايز تحل الموضوع ودي؟
طلبت من يوسف يفك الكلبشات. تردد لحظة وهو بيبص لحسن، لكن العمدة ماقدرش يعترض.
لما اتفكت، ظهرت علامات حمراء عميقة حوالين معصمي، والشمال كان وارم من شدة اللي حصل.
الموظفة الكبيرة عايدة عبد الرحيم بدأت تسجل وقت فك الكلبشات في مفكرتها الساعة الواحدة وسبعة وأربعين دقيقة.
بعد دقائق، أبواب المركز اتفتحت ودخل تلاتة من عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، وراهم راجل طويل بشعر فضي اسمه توفيق فؤاد،
وست لابسة بدلة كحلي اسمها نهى عبد
ه، مساعدة المدعي العام الأمريكي.
العميلة اللي كانت في المقدمة، نجلاء عبد الرحمن، عدّت من جنب حسن من غير ما تبص له، واتجهت ناحيتي.
قالت
سيادة القاضية الكيلاني، أنا العميلة الخاصة نجلاء عبد الرحمن. هل حضرتك متأثرة؟
بصت لمعصمي، وبعدها طلبت من زميلها كريم منصور تأمين سجلات الحجز والاتصالات وكاميرات الجسم والمراقبة، وكمان تسجيلات مطعم ماجنوليا وأسماء الشهود.
نهى عبد الله اعتذرت لي عن اللي حصل، ثم أخرجت ملفًا.
أما توفيق فشرح لحسن إنهم بيحققوا في شكاوى سكان المحافظة من القبض التعسفي والمضايقة وإجبار الناس على التنازل عن شكاواهم.
حسن حاول يدافع عن نفسه
دي مجرد اټهامات مش مثبتة. كل عمدة شرطة بيجيله شكاوى.
رد توفيق
الشكاوى بداية التحقيق، مش نهايته. وسجلات قسم الشرطة عندكم هتخضع لفحص مستقل.
قلت
كل اتهام لازم يتراجع بالأدلة، ومحدش يتعامل معاه على إنه مذنب لمجرد وجود خطاب ضده. وده ينطبق عليك كمان يا حضرة العمدة. لكن ممنوع أي حد هنا يتلف سجلات أو يرهب شهود.
نهى قدمت لحسن أمر تفتيش فيدرالي صادر من قاضي تحقيق في مدينة ماكون، وبيسمح بمصادرة السجلات وأجهزة الكمبيوتر والموبايلات
والمستندات المالية المتعلقة بعمليات القبض والكفالات والأحراز ومصادرة الممتلكات خلال آخر تمان سنين.
حسن زعق
إنتوا ماينفعش تاخدوا سجلاتي!
ردت نهى
نقدر، وهنعمل كده فعلًا.
في اللحظة دي، يوسف تقدم وهو ماسك كراسة زرقاء صغيرة.
قال للعميل توفيق
فيه حاجة تانية لازم تعرفها. أنا شفت عمدة الشرطة بيأمر بالقبض على ناس من غير أي سبب قانوني. وكتبت التواريخ في الكراسة دي.
حسن نادى فيه
يا يوسف، اقفل بقك! فاهم؟ اقفل بقك حالًا!
لكن العميلة نجلاء وقفت بينهما وقالت
ارجع لورا يا عمدة الشرطة. ده شاهد بيتكلم مع عميل فيدرالي، ومالكش حق تأمره يسكت.
يوسف فتح الكراسة. كانت مليانة تواريخ وأسماء وحوادث ما ظهرتش في أي تقرير رسمي.
قرأ أول تسجيل
14 مارس. إيقاف عربية على الطريق السريع رقم 41. السائق طارق منصور، عمره 52 سنة، وماكانش عامل أي مخالفة. العمدة فتش العربية وأخد 8400 دولار من درج التابلوه، فلوس مصاريف تعليم بنته. مافيش إيصال، والفلوس ما اتسجلتش ضمن الأحراز.
وبعدها قرأ عن الشماس إبراهيم عبد الرحيم اللي اتقبض عليه لأنه سأل عن سبب تفتيش ابنه، وعن محمود عطية، الراجل اللي عنده 71 سنة وبيمشي
بعكاز، واللي اتكتب في تقريره إنه قاوم الشرطة رغم إنه ماعملش كده.
لكن أخطر تسجيل كان عن السيدة زينب محمود، وعمرها واحد وتمانين سنة.
يوسف قرأ
9 أغسطس السنة اللي فاتت. العمدة قبض على السيدة زينب في أرضها على طريق سايبرس كريك بسبب عرقلة عمل الشرطة والإخلال بالنظام العام. كانت واقفة على شرفة بيتها وبتطلب من المسّاحين التابعين لشركة بينكريست هولدينجز يخرجوا من أرضها.
قلب الصفحة وكمل
وقت تسجيلها طلبت أدوية القلب اللي كانت في شنطتها. العمدة رفض يديهالها لحد ما ممرضة الاحتجاز تكشف عليها، مع إن الممرضة مش بتيجي في الإجازات الأسبوعية.
وفي اليوم التالي، طلبت أدويتها أربع مرات. يوسف طلبها من العمدة مرتين، لكنه رد دي هتتحسن، ما-تقلقيش.
ثم قرأ آخر تسجيل
11 أغسطس، الساعة 315 الفجر. اتلاقت فاقدة الوعي في الزنزانة رقم 3، واتنقلت للمستشفى. وفي 13 أغسطس غابت.
وأضاف إن العمدة أمر أفراد الوردية ما يجيبوش سيرة الأدوية، وطلب منهم يكتبوا إنها فقدت الوعي من غير ما تكون اشتكت قبل كده.
المكان كله سكت.
أنا كنت عارفة الاسم. السيدة زينب كانت موجودة في واحد من الخطابات اللي بعتتهم خالتي نوال. الخطاب
كان مكتوبًا على ورق أصفر بخط حفيدها
وسف محمود، وكان بيقول إن جدته غابت في الحجز بعد ما اتاخدت منها أدويتها، وإن محدش راضي يسمعهم.
العميل توفيق سأل حسن
إيه هي شركة بينكريست هولدينجز؟
نهى ردت بدلًا منه، وأوضحت إن الشركة اتسجلت في جورجيا من سنتين، وإن وكيلها المسجل هو وائل عبد المنعم، جوز أخت حسن الشناوي.
وخلال السنتين دول، الشركة استحوذت على 11 قطعة أرض في المحافظة، بإجمالي حوالي 640 فدانًا، وكلها كانت مملوكة لأشخاص اتقبض عليهم بواسطة قسم الشرطة قبل ما يخسروا أراضيهم.
الأراضي دي كانت موجودة على مسار مشروع خط نقل الكهرباء الجديد والطريق الالتفافي السريع، وقيمتها بقت تساوي من تلاتة لأربعة أضعاف سعر شرائها.
بدأت الصورة تتضح أصحاب الأراضي بيتقبض عليهم پتهم ضعيفة أو ملفقة، وبيتحط لهم كفالات كبيرة، فيفضلوا محتجزين ويخسروا شغلهم ويتأخروا عن دفع الضرائب. وبعدها أراضيهم تتباع في المزادات، وتشتريها شركة جوز أخت العمدة.
أرض السيدة زينب، ومساحتها 42 فدانًا، اشترتها بينكريست بعد غيابها بأربعة شهور مقابل 61 ألف دولار، وبعدها شركة جورجيا باور عرضت 238 ألف دولار مقابل حق المرور في 15
فدانًا منها فقط.
حسن حاول ينكر أي علاقة
دي شركة جوز أختي. شغله الخاص مالوش علاقة بيا.
توفيق رد
يبقى مش هتضايق لما تشرح لنا سبب وجود تلات تحويلات بنكية من الشركة لحساب باسم مراتك.
إجمالي التحويلات كان 187 ألفًا و دولار.
وش حسن بقى أبيض زي الورق.
حسن الشناوي ما اتقبضش عليه في نفس اليوم. التحقيقات الفيدرالية كانت محتاجة توثق كل كشف حساب، وتستجوب كل شاهد، وتتبع كل عقد بيع أرض قبل تقديم القضية لهيئة المحلفين الكبرى.
لكنهم أخدوا أداته وشارة الشرطة، وصدر قرار بإيقافه عن العمل لحين انتهاء التحقيق. وتولى الطبيب الشرعي سعيد عبد اللطيف منصب عمدة الشرطة بالإنابة.
العميلة نجلاء نزعت الشارة من صدر حسن، وطلبت منه ما يتواصلش مع أي شاهد، بما فيهم يوسف.
قبل ما يخرج، بص لي وقال
إنتِ دبّرتي كل ده! جيتي محافظتي علشان توقّعيني!
قلت له

لأ. أنا جيت أجيب دواء الضغط لخالتي وآكل سمك. إنت اللي وقّعت نفسك في المشكلة لما قررت إن ست سمراء لابسة جاكيت جينز ينفع تأذيها من غير حساب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى