
في تلك اللحظة الحرجة، أدركت زيمينا بوضوح تام أن ما تجري فصوله ليس حادثة فردية عرضية ولا هو مجرد خطأ طبي عابر، بل هو نمط إجرامي مرعب وممنهج يجري تنفيذه خلف الكواليس. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل تلتها حالة ثالثة، ثم رابعة، لتكتمل أربع حالات حمل متطابقة في ظروف غامضة خلال ستة أسابيع فقط. وأكد الطبيب الاستشاري النفسي والجسدي بوضوح قاطع أن حالات الحمل حقيقية تماماً، وأن النزيلات المعنيات لسن في أي علاقات شخصية داخل السجن، بل إنهن جميعاً ضحايا لظروف قاهرة وصدمات نفسية عميقة.
انتشر الخوف والهلع في أرجاء السجن كالنار في الهشيم، فتحولت الحياة اليومية إلى كابوس؛ سجينات يرفضن مغادرة زنزاناتهن أو النزول إلى ساحة التريض، ينمن بملابسهم كاملة استعداداً لأي طارئ، وتصاعدت حدة المشاحنات والخلافات بلا أسباب واضحة، وأصبح السجن بأسره على حافة انفجار وشيك قد يحرق الأخضر واليابس.
وأمام هذا الوضع المتأزم الخارج عن السيطرة، وجدت إدارة السجن نفسها مرغمة على الاستعانة بخبير أمني خارجي ذي خبرة واسعة يدعى دييغو شاكون. كان دييغو رجلاً فريداً من نوعه، لم ينشغل بالأسوار العالية ولا بأبراج الحراسة الشاهقة، بل وجه تركيزه الكامل نحو التفاصيل الدقيقة، والعادات اليومية، ومسارات الحركة داخل السجن. قام بمراجعة دقيقة ومضنية لخط سير النزيلات الأربع الموبوءة ظروفهن، وتتبع أوقات عملهن وأماكن تواجدهن بدقة متناهية، حتى وقف فجارعلى تفصيل صغير قلب مجرى الأمور رأساً على عقب حين لاحظ أن جميعهن يشتركن في مكان عمل واحد: المغسلة.
لم تكن المغسلة مكاناً عادياً، بل كانت تقع في الطابق السفلي العميق، محاطة بكاميرات مراقبة حية وحراسة مشددة، ومفترض بحكم تصميمها ونظافة إدارتها أن يكون الاستقرار والأمان فيها أمراً مفروغاً منه ولا مجال فيه لأي خرق. لكن دييغو لم يكتفِ بالتقارير، بل نزل بنفسه إلى الطابق السفلي المظلم، وأخذ يلف حول الماكينات الضخمة والثقيلة، وهناك خلف إحدى الآلات العملاقة، لاحظ صدفة شقاً غريب الشكل ومخفياً بعناية في الجدار الخرساني، لم يكن مجرد تصدع عادي، بل كان فتحة بشرية متقنة ومموهة بطبقات كثيفة من الزيوت وغبار السكك القديمة.
بالتفتيش الدقيق، تبين أن خلف هذا الشق يقع نفق صيانة قديم ومنسي تماماً من السجلات الرسمية للسجن، لكنه يبدو مستخدماً ومأهولاً بشكل غير مرخص، حيث عُثر فيه على آثار أقدام حديثة، وأسلاك كهربائية ممدودة بعناية، وكشاف إضاءة مثبت بشريط لاصق. كان النفق يمتد لمسافات تحت الأرض ليصل مباشرة وبطريقة خفية إلى أقسام الرجال المعزولة في الجانب الآخر.
في تلك الليلة الحاسمة، تم نصب كاميرات مراقبة سرية ومتطورة دون علم أي أحد من العاملين العاديين. وفي تمام الساعة الثانية ويثمانية عشر دقيقة فجرًا، التقطت الشاشات حركة مريبة ومتحركة؛ ظل بشري خفي يبدأ بالزحف والخروج بحذر من الفتحة المظلمة، تبعه ظل ثانٍ وثالث، ليتضح أنهم رجال يرتدون أقنعة تخفي ملامحهم، يتحركات بثقة بالغة وثبات لمن يحفظون مسالك المكان عن ظهر قلب. وكانت المفاجأة الكبرى حين تم التعرف على أحدهم ليتبين أنه موظف معروف يعمل بانتظام في مغسلة السجن نهاراً، ويقابل الجميع بابتسامة عادية ومسالمة.
انفجر التحقيق الرسمي بعد تلك الليلة بأسرع مما يتصور أحد، وانكشفت خيوط شبكة صغيرة ومفسدة تضم عددًا من الحراس والعمال الذين استغلوا ذلك النفق المنسي لتنفيذ أفعال غير قانونية وابتزاز النزيلات مستغلين حالة الخوف والصمت المفروضة عليهن، بينما كانت الإدارة العليا تدرك جزءاً من الحقيقة وتفضل الصمت التام خشية فتح أبواب الجحيم على مصراعيها.
في ليلة واحدة، تحركت الجهات القضائية العليا، وتم إلقاء القبض على جميع أفراد الشبكة المتورطة، وأُغلق السجن بالكامل لإجراء عمليات تطهير شاملة، وأُقصيت المديرة وكل المسؤولين عن التستر. وفي النهاية، تم نقل ريبيكا وماريانا وبقية الضحايا إلى مراكز حماية خاصة ورعاية نفسية شاملة، ولأول مرة منذ دخولهن ذلك الجحيم، تمكنّ من النوم بهدوء وعمق بلا خوف ولا كوابيس، لتدرك الجميع مع شروق شمس جديدة أن أبشع الجرائم وأكثرها انحرافاً قد تتولد أحياناً في أكثر الأماكن التي نطمئن إليها ونظنها منيعة وآمنة تماماً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




