
في سجن نسائي شديد الحراسة يقع في شمال المكسيك، حيث الأبواب الفولاذية الغليظة لا تُفتح إلا بالأوامر المشددة، وحيث كل نفس محسوب بالكاميرات وأجهزة الإنذار الإلكترونية، بدأت خيوط لغز غريب ومقلق تتسلل ببطء شديد من تحت الأرض، وكأن جدران المكان السميكة تخفي أسراراً أكبر من طاقة البشر على احتمالها. لم يكن أحد على الإطلاق مستعداً لتصديق ما تخبئه الأيام القادمة خلف تلك الأسوار الباردة والمعزولة عن العالم الخارجي.
بدأت الشرارة الأولى عندما ظهرت أعراض مرضية غامضة على سجينة هادئة تدعى ريبيكا توريس. كانت ريبيكا معروفة بين النزيلات والحراس بطبيعتها المسالمة وانعزالها التام، فهي واحدة من اللاتي لا يلتفتن إليهن عادة، بلا مشاكل تسجل ضدها، وبلا شكاوى تذكر طوال فترة عقوبتها. لكن في صباح رمادي بارد، دخلت عيادة السجن وهي تمسك بطنها بوضوح، ويبدو على وجهها شاحب اللون وعلامات الإعياء الشديد، مشتكية من موجة غثيان مستمرة وتعب مفاجئ وغير مبرر.
قامت الممرضة المناوبة بإجراء الفحوصات والتحاليل الطبية الروتينية المعتادة في مثل هذه الحالات. وعندما ظهرت النتيجة صدمت الجميع وأثارت حيرة الأطقم الطبية، حيث كانت النتيجة إيجابية بشكل قاطع لا يحتمل الشك. في البداية، تعامل الجميع مع الأمر بنوع من السخرية الخفيفة، متبادلين الضحكات والتعليقات بأن الجهاز لابد وأن يكون تالفاً أو أن هناك خطأً بشرياً في أخذ العينات، فكيف يحدث ذلك في سجن نسائي مغلق تماماً، لا توجد فيه أي فرصة للاختلاط أو التواصل مع العالم الخارجي؟
لكن تلك الضحكات القصيرة ما تارت أن اختفت تماماً حين أُعيد تحليل العينة تحت إشراف مباشر، لتأتي النتيجة مطابقة تماماً وسابقتها. تجمد الهواء داخل جدران العيادة الضيقة، وحل صمت ثقيل ومقلق. كانت زيمينا مارتينيز، كبيرة الممرضات، امرأة مسنة تعمل في هذا المكان منذ ثمانية أعوام كاملة، وشاهدت طوال تلك السنين الطويلة كل ألوان القهر البشري والمآسي الإنسانية، تشعر بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري. اقتربت من ريبيكا وأخذت تسألها بصوت خفيض يقطر وجعاً وحيرة عن كيفية حدوث هذا الأمر المستحيل.
التزمت ريبيكا بصمت مطبق، ولم تنطق بحرف واحد يفسر ما جرى. عوضاً عن الكلام، شدت بقوة وعصبية على كم بدلتها البرتقالية اللون، كأنها تحاول أن تداري خلف القماش شيئاً أعمق بكثير من مجرد أعراض جسدية، بينما كانت عيناها تفيضان بخوف صامت وعميق، خوف أشبه بنظرات من عايشوا الموت وعرفوا طعمه القاسي.
لم يقتصر الأمر على حدود العيادة، بل تم تصعيد التقرير الطبي العاجل إلى مديرة السجن باتريشيا كارديناس، وهي امرأة معروفة بملامحها الباردة الصارمة وقراراتها الحاسمة. جاء رد باتريشيا قاطعاً وسريعاً بشكل مريب، حيث أمرت بأن يبقى هذا الموضوع حبيساً داخل حدود مكتبها الضيق، وألا يتم إجراء أي تحقيق رسمي أو تداول للقصة بين العاملين، بحجة أن أي تسريب لهذه الفضيحة سيعني دمار السجن سمعياً وإدارياً، وأن الجهات الحكومية العليا دائماً ما تبحث عن كشاة فداء لتحميلهم المسؤولية حتى لو كانوا أبرياء تماماً من أي تقصير.
حاولت زيمينا الاعتراض بقوة على هذا التعتيم الإداري، مؤكدة أن ما يجري يمثل جريمة واضحة ومهدد خطير للصحة والسلامة داخل المؤسسة، لكنها وُجهت برد بارد ومتعجرف أنهى النقاش. خرجت زيمينا من المكتب وهي تشعر بغصة مريرة وبأن هناك كتلة سوداء وثقيلة تبدأ في النمو والتضخم في خفاء تام بعيداً عن الأعين.
لم تمضِ سوى أسبوعين حتى تحول الكابوس المكتوم إلى حقيقة لا يمكن إنكارها ولا إخفاؤها وراء التقارير الورقية. دخلت سجينة أخرى تدعى ماريانا سالغادو إلى عيادة السجن في حالة رعب واهتزاز شديدين، وجهها شاحب كالأموات. وبعد إجراء الاختبارات اللازمة، ظهرت النتيجة إيجابية مرة أخرى وبنفس المعايير المقلقة. انهارت ماريانا في نوبة بكاء هيستري ومروع، وهمست بصوت مكسور ومتقطع بأنها إن نطقت بحرف واحد أو كشفت عما تعلمه فإنها ستلقى حتفها مقتولة في ركن مظلم.




