عام

مؤامرة مرات الأب

​في يوم وأنا في المستشفى الكبيرة اللي بشتغل فيها، لقيت الممرضة بتخبط على مكتبي وبتقولي: “يا دكتورة سارة، في حالة في الاستقبال برة صعبة جداً، ست مسنة وجاية في غيبوبة سكر ومفيش معاها حد خالص غير فاعل خير جابها من الشارع وسابها ومشي، ومش عارفين نتواصل مع حد من أهلها.”

​قومت بسرعة ونزلت الاستقبال، قلبي الواجب الإنساني فيه مبيخلينيش أتأخر عن أي مريض. أول ما دخلت الأوضة وبصيت على السرير، حسيت إن الزمن وقف بيا لثواني.. الملامح كانت متغيرة، الوش كان دبلان، والشعر كله بقى أبيض، والكــ,سرة والمرض هادين حيلها.. لكن عيني مكنتش بتغلط.. دي كانت عنايات!

​وقفت مكاني، شريط العمر كله مر قدام عيني في لحظة.. افتكرتها وهي بتقفل عليا الباب، وافتكرت صوتها وهي بتقول لابنها “اكــ,سر عينها”.. وافتكرت حبــ,ستي ودموعي ورعبي.

​الممرضة بصتلي باستغراب وقالت: “في إيه يا دكتورة؟ حضرتك عارفاها؟”
​أخدت نفس طويل، وبلعت ريقي، وبصيت للسما وقولت في ســ,ري: “سبحانك يا رب.. سبحان المعز المذل.. دارت الأيام ووقعت تحت إيدي وبقت حياتها بين إيدين البنت اللي كانت عايزة تد,مرها.”

​بصيت للممرضة وبكل ثبات وهدوء ومهنية قولت لها: “جهزيلي التحاليل فوراً، وعلقي لها المحاليل دي.. الست دي حالتها حرجة ومفيش وقت، هنسعفها الأول وبعدين نشوف أهلها.”
​اشتغلت معاها بكل أمانة وضمير، مكنتش شايفاها عنايات الحرباية، كنت شايفاها مريضة غلــ,بانة ملهاش حول ولا قوة، وربنا حطني في طريقها عشان يختبر قلبي.. والحمد لله قلبي طلع نضيف ومبيعرفش يشيل غل ولا ينتــ,قم.

​بعد كام ساعة، عنايات بدأت تفوق.. فتحت عينيها ببطء وبتعب، وبقت تلتفت حواليها، لحد ما عينيها جت في عيني.. أنا كنت واقفة بالبالطو الأبيض والسمّاعة في رقبتي وبتابع أجهزتها.
​أول ما شافتني، عينيها اتسعت برعب وزهول، وحاولت تتكلم وصوتها طلع مخــ,نوق ومتحشرج: “سـ.. سارة؟!”
​ابتسمت لها ابتسامة هادية وقولت لها: “حمد الله على سلامتك يا طنط عنايات.. أزمتك عدت وبقيتي كويسة.”
​دموعها نزلت فجأة على خدودها، وبقت تحاول ترفع إيدها المرتعشة عشان تمسك إيدي، وصوتها كله كـ,سرة وند,م وعياط: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني.. ربنا عاقبني وخد مني كل حاجة.. ابني ضاع وشقايا ضاع وأنا بقيت مرمية في الشوارع ومحدش بيسأل فيا.. أنتي ملاك يا سارة، وأنا كنت شيطان.”

​طبطبت على إيدها بالراحة وقولت لها: “المسامح كريم يا طنط، وأنا مسامحاكي من زمان.. المهم صحتك دلوقتي.”
​خرجت من الأو,ضة وأنا حاسة بروحانية غريبة، حاسة إني طايرة في السما.. ربنا مش بس نجاني ورفعني، ده كمان خلاني أنا الطرف الأقوى والرحيم، خلاني أثبت لنفسي وللدنيا كلها إن الأصل الطيب بيفضل طيب مهما انداس عليه.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى