عام

مؤامرة مرات الأب

​خرجت من المستشفى ولقيت بابا وأحمد ومحمود مستنييني في العربية برة.. ركبت معاهم وبابا بص في وشي وقالي: “مالك يا سارة؟ وشك منور ومرتاح أوي النهاردة.”

​سندت راسي على كتف بابا وقولتله: “النهاردة يا بابا، قفلت آخر صفحة في كتاب الوجع.. والحمد لله، طلعنا إحنا الكسبانين في الآخر.. كسبنا نفسنا وكسبنا رضا ربنا.”

أحمد دور العربية ومشينا في شوارع القاهرة والجو كان مغيم وجميل، الهوا اللي داخل من الشباك كان بيطير شعري وكأنه بيغسل من على قلبي أي هم باقي من الماضي. طول الطريق كنت باصة لطيف الشوارع والبيوت، وحاسة إن كل طوبة في البلد دي شهدت على حكايتي، من أول الوجع والكـ,سرة لحد العياط على سجادة الصلاة، والنهاردة الشوارع نفسها بتشهد على جبر ربنا ليا.

​محمود ابني قعد في حجري وبقى يرمي عليّا أسئلة من أسئلته الكتيرة: “ماما.. هو أنتي شاطرة في المستشفى زي ما بتذاكريلي في البيت؟”
ضحكت وبوسته من خده وقولتله: “أنا شاطرة عشان ربنا معايا وعشان جِدك محمود دايماً بيدعيلي، وأنت كمان لازم تطلع شاطر وتحب الناس عشان ربنا يحبك.”

​بابا لف وشه وبصلي وابتسامته الواسعة مالية وشه، عينيه كانت بتقول كلام كتير أوي من غير ما ينطق، كان باصصلي بنظرة الراجل اللي أدى رسالته في الدنيا وضميره مرتاح، الراجل اللي قدر يحمي بنته ويوصلها لبر الأمان رغم كل العواصف.
​أحمد شغل كاسيت العربية على أغنية هادية، وبقى يســ,وق وهو مستمتع باللمة، وقال بصوت كله رضا: “إيه رأيكم بمناسبة الروقان ده، نطلع كلنا نتعشى برة النهاردة؟ الحاج محمود يختار المكان وعلى حسابي.”
بابا ضحك وقال: “لا يا سيدي، العزومة دي عليا أنا، بمناسبة إن بنتي النهاردة أثبتتلي للمرة الألف إنها بملــ,يون راجل، وإن تربية أمها ليها تعيش وتعمر.”

​وصلنا البيت، وأول ما دخلت، روحت على طول على أو,ضتي، غيرت هدومي ووقفت قدام المراية. بصيت لوشي، الملامح كبرت شوية، وبقى فيها هيبة الدكاترة، بس عينيا لسه فيها نفس النظرة الطيبة بتاعة سارة الطفلة. قلعت السماعة الطبية من رقبتي وحطيتها على المكتب جمب كتب الطب والمراجع الكبيرة.
​فتحت درج المكتب وطلعت منه مصحف صغير، المصحف ده كان بتاع ماما الله يرحمها، كانت دايماً تقرأ فيه قبل ما تنام. حضنته جامد وشميت ريحته اللي لسه باقية فيه، وقولت في ســ,ري: “شايفة يا ماما؟ بنتك وحبيبتك بقت فين؟ طمنيني عليكي، أنا عمري ما نسيت كلامك ولا حلمك.”

​خرجت الصالة لقيت أحمد ومحمود وبابا قاعدين مع بعض وبيضحكوا على حركة عملها محمود الصغير. وقفت أراقبهم من بعيد، والدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا قهر، دي كانت دموع شكر لله.
​الدنيا دارت، والصفحة اتقفلت تماماً، والشرور اللي اتزرعت زمان حصدت صاحبها، أما الخير والصبر والأصل الطيب ففضلوا عايشين ومثمرين. عرفت إن كل محنة بنمر بيها هي مجرد سطر في رواية طويلة كاتبها ربنا بحكمة، ونهايتها دايماً بتكون أحسن بكتير من اللي بنتمناه. قعدت وسطهم، وأنا كلي يقين إن اللي جاي في حياتي هيبقى كله نور وأمان.

الليل جه، والدنيا هديت بره، ومحمود ابني نام في سريره زي الملاك. دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا براحة، لقيت أحمد قاعد على السـ,رير وبيتصفح تليفونه، أول ما شافني ابتسم وقفل الشاشة وحط التليفون جمبه.
​قعدت على طرف السرير وتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتلخص سنين من عمري، أحمد حس بيا، قرب مني وأخد إيدي بين إيديه وطبطب عليها وقالي بحنية: “سارة.. أنا حاسس إنك النهاردة مش سارة بتاعة كل يوم.. فيكي حتة هدوء وسكينة غريبة، كأن كان في حمل على كتافك والنهاردة بس رميتيه.”

​بصيت في عينيه وقولتله بصوت دافي: “فعلاً يا أحمد.. النهاردة بس قدرت أقول إن الماضي مات واندفن، والنهاردة بس حسيت إني مش خايفة من أي حاجة جاية.”
أحمد باس إيدي وقال: “طول ما أنا فيا النفس، وطول ما الحاج محمود منور دنيتنا، مفيش حاجة في الدنيا هتمسك بسوء يا قلب أحمد.. أنتي تعبتي وياما شوفتي، وجه الوقت اللي ترتاحي فيه وتجني ثمار صبرك.”

​قومت وقفت ورحت ناحية الشباك الكبير، فتحته ووقفت في البلكونة أشم الهوا الساقع بتاع نص الليل. الشوارع كانت فاضية وضلمة، مفيش غير العواميد منورة الطريق برقة، والنسمة كانت بتداعب وشي.
​وفجأة، حسيت بحركة ورايا، لفيت لقيت بابا واقف في البلكونة جمبي، ساند إيديه على السور وباصص للسما. بصلي وابتسم وقالي: “عارفة يا سارة.. زمان وأنتي صغيرة كنتي لما تخافي من ضلمة الليل، تيجي تستخبي في ضهري.. النهاردة وأنا باصص ليكي، حاسس إن ضهرك بقى قوي لدرجة إنه يشيل عيلة بحالها.”

​دموعي نزلت، بس كانت دموع صافية وراضية، مسكت إيد بابا المحفرة من شــ,قى السنين وبوستها وقولتله: “أنا قوتي دي كلها منك يا بابا.. أنت الجبل اللي ساندني، وعمري ما هنسى إنك في أصعب لحظة في حياتي كنت البطل اللي أنقذني.”
​بابا أخدني في حضنه، الحــ,ضن الدافي اللي طول عمري بستخبى فيه من قــ,سوة الدنيا، وفضلنا واقفين كده ثواني، باصين للمدى الواسع قدامنا.
​في اللحظة دي، حسيت إن روحي بقت خفيفة وزي الريشة.. الخوف، الوجع، التهــ,ديد، وظلم مرات أبويا وابنها.. كل ده بقى مجرد حكايات قديمة بتتحكي في كتب الماضي، وبقت حياتي الجديدة هي الحقيقة الوحيدة اللي بعيشها.

​بصيت للسما الصافية والنجوم اللي بتلمع، وقولت في بالي بابتسامة نصر ويقين: “القصة خلصت يا سارة.. والحمد لله، النهاية طلعت أجمل بكتير من كل التوقعات.”
​وقفلنا باب البلكونة، ودخلنا لبيتنا المنور بالحب والأمان، والستارة نزلت على حكاية بنت حــ,اربت الدنيا بأصلها وعلمها.. وانتصرت.
تمت
حكايات انجى الخطيب

3 من 3التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى