ديني

المدة الشرعية لغياب الزوج عن زوجته في الدين الإسلامي حسب دار الإفتاء هي.. عرض المزيد

ما هي المدة الشرعية لغياب الزوج عن زوجته؟ أقوال العلماء وموقف سيدنا عمر بن الخطاب والضوابط الشرعية

من الأسئلة التي يكثر حولها الجدل بين الأزواج: هل يجوز للرجل أن يسافر ويترك زوجته شهورًا طويلة أو سنوات بحجة العمل وطلب الرزق؟

وهل حدد الإسلام مدة معينة لا يجوز للزوج تجاوزها؟ وما صحة القصة المشهورة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل ابنته حفصة عن المدة التي تستطيع المرأة الصبر فيها بعيدًا عن زوجها؟

هذه المسألة ليست مجرد خلاف حول عدد الشهور، بل تتعلق بحقوق الزوجين، وحق الزوجة في العلاقة الزوجية، وواجب الزوج في النفقة والرعاية، ومراعاة الظروف التي قد تضطر الرجل إلى السفر بعيدًا عن أسرته. وسنعرض المسألة من خلال الأدلة الشرعية، وأقوال أهل العلم، وأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع توضيح الفرق بين الحكم الفقهي والمدة التي تُذكر على سبيل التنظيم والاجتهاد.

أولًا: هل حدد الإسلام مدة ثابتة لغياب الزوج عن زوجته؟ لا يوجد حديث صحيح صريح عن النبي ﷺ يحدد مدة غياب الزوج عن زوجته بأربعة أشهر أو ستة أشهر على أنها حد شرعي ثابت في جميع الأحوال.

لكن هذا لا يعني أن للرجل أن يهجر زوجته سنوات طويلة دون مراعاة حقوقها أو رضاها أو ما يلحق بها من ضرر. فالأصل في العلاقة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة، وأن يؤدي كل طرف الحقوق الواجبة عليه للطرف الآخر.

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. [سورة الروم: 21] وقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. [سورة النساء: 19] وقال عز وجل: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

[سورة البقرة: 228] وهذه النصوص تؤسس لقاعدة مهمة: أن الحياة الزوجية ليست نفقة وطعامًا ومسكنًا فقط، وإنما تشمل كذلك حسن العشرة، وأداء الحقوق الزوجية، وعدم الإضرار بالطرف الآخر. ومن هنا بحث الفقهاء مسألة غياب الزوج، ومدى حقه في السفر، وحق الزوجة في المطالبة بعودته، والظروف التي يُعذر فيها الرجل إذا طال غيابه.

ثانيًا: قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع المرأة التي اشتاقت إلى زوجها

اذا وقفت للسلام على رسول اللهﷺ في المسجد النبوي ونظرت خلفك ستجد نافذة عظيمة المظهر، هذه النافذة لم ت… – د. عبدالرحمن | رتبها من أشهر الآثار التي يستدل بها العلماء في هذه المسألة ما رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين كان يتفقد أحوال الناس، فسمع امرأة تنشد أبياتًا تعبّر فيها عن طول الليل واشتياقها إلى زوجها الغائب.

ومن الأبيات المنقولة في الرواية: تطاول هذا الليل واسودَّ جانبهُ وأرقني إذ لا حبيب أُلاعبهُ ثم تذكر الرواية أنها كانت تفتقد زوجها بسبب غيابه في المهام، فاهتم عمر رضي الله عنه بأمرها، وسأل ابنته حفصة رضي الله عنها عن المدة التي تستطيع المرأة الصبر فيها بعيدًا عن زوجها.

فجاء في إحدى الروايات أنها قالت: أربعة أشهر أو خمسة أو ستة أشهر، وفي رواية أخرى: ستة أشهر أو أربعة أشهر. وبعد ذلك جعل عمر رضي الله عنه مدة غياب الجنود في رواية ستة أشهر، مراعيًا مدة الذهاب والإقامة والعودة. ماذا نتعلم من موقف عمر؟ 1.

ماذا نتعلم من موقف عمر؟ 1. أن حق الزوجة في القرب من زوجها ليس أمرًا ثانويًا. لم يتعامل عمر رضي الله عنه مع شكوى المرأة على أنها مسألة خاصة لا تستحق الاهتمام، بل أخذ الأمر بجدية، وبحث عن حل يراعي حال النساء اللاتي يغيب أزواجهن في الدفاع.

أن ولي الأمر يراعي مصالح الأسرة عند تنظيم شؤون المجتمع. كان غياب الجنود مرتبطًا بظروف الدفاع والسفر، ومع ذلك راعى عمر رضي الله عنه أثر الغياب على زوجاتهم، فلم يجعل مصلحة العمل أو القوات وحدها هي المعتبرة. 3. أن معرفة أحوال النساء واحتياجاتهن أمر معتبر في الفقه والتدبير الشرعي.
فسؤال عمر لحفصة رضي الله عنها يوضح أهمية الرجوع إلى من يعرف أحوال النساء عند النظر في مسألة تتعلق بحقوقهن واحتياجاتهن. هل حدد عمر المدة بأربعة أشهر أم ستة أشهر؟ وردت روايات بألفاظ مختلفة، فلا يصح جمعها في رواية واحدة وكأن ألفاظها متطابقة

ففي رواية في مصنف عبد الرزاق ذُكر أن حفصة قالت: ستة أشهر، وأن عمر جعل مدة غياب القوات ستة أشهر. وفي رواية أخرى ورد التردد بين أربعة أشهر وستة أشهر. كما وردت رواية في سنن سعيد بن منصور فيها ذكر أربعة أو خمسة أو ستة أشهر.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم: هذه آثار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليست حديثًا نبويًا. وقد وردت من طرق وألفاظ مختلفة؛ لذلك ينبغي عند نقل القصة الالتزام باللفظ الوارد في المصدر، وعدم الجزم بأن كل تفصيل مشهور فيها ثابت بالإسناد نفسه.

والأهم من ذلك أن إجراء عمر المتعلق بالقوات لا يعني بالضرورة أن ستة أشهر حد شرعي جامد ينطبق على كل زوجين في جميع الظروف. فالفقهاء استنبطوا من هذا الأثر أهمية مراعاة حق الزوجة، ثم اختلفت اجتهاداتهم في المدة والضوابط التي يُعمل بها.

ثالثًا ماذا قال العلماء عن المدة التي يجوز للزوج أن يغيب فيها؟ اختلفت عبارات الفقهاء في تحديد المدة، وتظهر في المصادر اتجاهات مهمة ينبغي فهمها دون اختزال المسألة في رقم واحد. 1. قول من اعتبر الستة أشهر حدًا عمليًا للغياب دون رضا الزوجة نقل ابن قدامة في كتاب المغني عن الإمام أحمد أنه سُئل كم للرجل أن يغيب عن أهله؟

فقال يروى ستة أشهر. وذكر البهوتي في كشاف القناع أن المسافر إذا لم يكن له عذر يمنعه من الرجوع، وغاب أكثر من ستة أشهر، ثم طلبت زوجته قدومه، لزمه ذلك وفق التفصيل الفقهي الذي يذكره.

وهذا الاتجاه يستند إلى أثر عمر رضي الله عنه، وإلى اعتبار حق الزوجة في العلاقة وعدم إطالة الغياب عليها بغير مسوغ. لكن لا ينبغي فهم هذا القول على أن كل غياب يتجاوز ستة أشهر يصبح محرمًا في جميع الأحوال؛

لأن الفقهاء راعوا وجود العذر، ورضا الزوجة، وطبيعة السفر، والقدرة على الرجوع. 2. قول من راعى العذر والحاجة إلى طلب الرزق ورد في فتوى إسلام ويب نقلًا عن الإمام المرداوي في الإنصاف أن الإمام أحمد سُئل عن رجل تغيب عن امرأته أكثر من ستة أشهر، فأجاب بما معناه أنه يُرجى ألا يكون عليه بأس إذا كان في حج أو سفر أو طلب مكسب يكسب منه على عياله.

ومعنى ذلك أن السفر لطلب الرزق الحلال قد يكون عذرًا معتبرًا، خصوصًا إذا لم يجد الزوج عملًا يكفي أسرته في بلده، أو تعذر عليه اصطحاب زوجته. لكن العذر لا يعني إسقاط جميع حقوق الزوجة، ولا يعني أن يتجاهل الزوج شكواها أو يتركها تتضرر دون أن يبحث عن حل.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى