
النعش كان ثابت مش راضي يدخل المسجد. كلنا فكرنا الست دي عملها غير صالح. جارتنا كانت عايشة لوحدها وابنها كان مسافر وجالها مرض خطير ومقالتش لابنها عليه عشان مينزلش من شغله ويعرف يبني حياته لإنه يتيم من صغره ومحدش كان بيساعده محدش كان بيقوله: أنت محتاج إيه؟ أنت كويس؟
صحينا في يوم على وفاة والدته هي كمان، كان الموضوع صعب جداً. أهل البلد رنوا كتير على رقم ابنها بس كان بيديهم مغلق!! فمكنش قدامهم حل غير إنهم يكفنوها ويدفنوها.
ولما وصلوا بيها المسجد النعش مدخلش، الرجالة فضلت تقول “لا إله إلا الله” وتكررها ولكن بدون فايدة! قعدوا قدام المسجد ويرنوا على مشايخ ومكنش فيه أي حلول. حاولوا يسألوا جيرانها: هي كان لسانها سليط؟ طيبة؟ كانت ما بتصليش أو ما شابه؟ كان الرد: لا دي بتقيم الليل كله.
قعدوا حوالي أربع ساعات على نفس الشيء، فيه اللي رجع بيته وفيه اللي فضل واقف يدور على حلول. شوية والنعش اتحرك لليمين، استغربوا وبصوا حواليهم تجاه الحركة، لقوا ابنها جاي يجري وهو بيعيط ومنهار.. فضل جنب نعشها ويقول: بقالي أيام تليفوني بايظ يا أما، ولما أفتحه عشان أطمن عليكي تكوني مشيتي!
الشاب فضل يعيط بشكل مش طبيعي لدرجة الناس كلها قعدت تعيط علشانه، فضل يقول كلام كتير، ولما خلص اللي في قلبه، أمه دخلت المسجد بمنتهى الخفة اللي في الدنيا. كانت لا تملك في الدنيا غيره، وكأنها بتقوله: أنا كنت مستنياك عشان أودعك.. أصلك كنت واحشني.
سلام على من رحلوا عن الدنيا ولهم في قلوبنا حنين لم يكف يوماً عن مناداتهم لعناق يشبع نزيف رحيلهم.
القصة التانية
يقول صاحب القصة:
بابا اتجوزها بعد موت أمي بشهرين، عمري وقتها كان 6 سنوات. كرهت بابا وكرهتها قبل ما تدخل بيتنا، وكرهتها أكتر بعد ما دخلته برغم إن عمرها ما عاملتني بطريقة مش كويسة، بالعكس كانت بتهتم بيا وبتراعيني زي ما تكون أمي. وكل شوية كنت بعرف عنها حاجة، عرفت إنها اتطلقت علشان ما كانتش بتخلف، وبابا اختارها علشاني أنا علشان مش عايز ابن أو بنت ينافسوني في حبها ليا.
الأيام عدت بسرعة رهيبة، وبابا كان دايماً مشغول وهي دايماً اللي موجودة قدامي. ذكريات دراستي كلها عبارة عن دخولي البيت وريحة الأكل اللي بحبه مالية الصالة، وهي تخرج من المطبخ بتضحك وهي بتسألني: عملت إيه النهارده؟ ولازم كل مرة أرد رد سخيف عليها، وهي تتجاهل سخافتي تماماً وترجع المطبخ علشان تحضر لي الغدا عقبال ما أغسل إيديا.
عشرين سنة علمت نفسي أكرةها، عمري ما قلتلها يا ماما وعمري ما ناديت عليها أصلا لأنها كانت دايماً قدامي. بابا تعب ومات فجأة، وفضي البيت عليا وعليها، فاحسيت إن وجودي معاها غلط، مع إنه مفرقش كتير عن وقت وجود بابا اللي ما كانش موجود. بلغتها إني قررت أسيب البيت وأستقل بحياتي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




