
قال
كنت مستني إنك تتصلي
قلتله
إيه موضوع فلوس جوزي؟
سكت
وبعدين قال
جوزك قبل ما يموت بأيام كان عامل حساب عشان يضمن مستقبل كريم
بس ما لحقش يقولك
قلت
فين الفلوس؟
قال
مش معايا
قلتله
أمال فين؟
قال
عند الشخص اللي جوزك كان واثق فيه
قلت
مين؟
قال اسم خلاني أقوم من مكاني
اسم شخص قريب مننا جدا
شخص كنت بثق فيه طول السنين
قفلنا المكالمة
وفي نفس الليلة ظهر شخص قدام البيت
وأول ما شوفته فهمت إن الموضوع أخطر مما توقعت
كان واحد من أقارب جوزي
وقف قدامي وقال
إنتي عايزة تعرفي فلوس أخويا راحت فين؟
قلت
أيوه
قال
يبقى لازم تعرفي إن كريم كان ليه نصيب فيها
بصيت لكريم
الولد كان واقف ورايا
قال
بس أخويا مات وهو عليه ديون
قلت
وأنا سددت الديون
قال
مش كلها
طلّع ملف من العربية
وحطه قدامي
قال
اقري
فتحت الملف
وكان فيه مستندات تحويلات بنكية
مبالغ كبيرة خرجت من حساب جوزي قبل وفاته بأيام
والمفاجأة
إن جزء من الفلوس اتحول باسم شركة مش عارفها
وجزء تاني اتحول لحساب شخص مجهول
وفي آخر ورقة كان فيه سطر واحد
مخصص لكريم عند بلوغه السن القانوني
بصيت للرجل
مين الشخص اللي خد الفلوس؟
قال
دي الحاجة اللي أنا مش عارفها
بس عندي دليل ممكن يوصلك له
مد إيده بظرف
وقال
جوزك كان سايب رسالة
لكريم
مش ليكي
حسيت إن الدنيا وقفت
فتحت الظرف
وكان جواه جواب قصير
مكتوب بخط إيد جوزي
“يا كريم لو إنت بتقرأ الكلام ده يبقى أنا مش جنبك
عايزك تعرف إن أكبر حاجة كنت أتمنى أشوفها فيك مش إنك تبقى غني
كنت أتمنى تبقى راجل رحيم
ولو في يوم لقيت نفسك قدام حد محتاج مساعدة
ساعده من غير ما تستنى مقابل
بس إوعى تسمح لحد يستغل طيبة قلبك”
بصيت لكريم
وقلت
أبوك كان عارفك كويس
كريم بكى
لكن آخر سطر في الرسالة كان أغرب حاجة
“والفلوس اللي سيبتها لك مش أهم من السر اللي هتعرفه يوم ما تسأل عن سبب وفاتي”
رفعت عيني عن الورقة
وقلت
سبب وفاته؟
ساعتها الراجل قال
أيوه يا منى
جوزك ما ماتش بالبساطة اللي إحنا فاكرينها.
المشهد الرابع والأخير
قعدت طول الليل مش عارفة أنام
كل حاجة في حياتي اتقلبت في ساعات
جوزي مات من تلات سنين
وكنت فاكرة إنها كانت وفاة طبيعية بسبب الأزمة اللي حصلت له
لكن الرسالة خلتني أشك في كل حاجة
تاني يوم رحت للشخص اللي كان سامح ذكر اسمه
ولما شافني حاول يقفل الباب
قلتله
مش هتمشي قبل ما أفهم
اتوتر
وقال
إنتي فاهمة غلط
طلعت الورقة قدامه
وقلت
دي فلوس جوزي
والتحويلات باسمك
سكت
وبعدين قال
جوزك هو اللي طلب مني أحفظها
قلت
ليه؟
قال
لأنه كان شاكك إن حد بيسرق من شغله
وكان خايف إن الفلوس كلها تضيع
سألته
وليه ما قالليش؟
قال
كان خايف عليكي وعلى كريم
قلت
طب والسر اللي في الرسالة؟
هنا وشه اتغير
وقال
جوزك قبل وفاته بأسبوع اكتشف إن شريكه القديم كان بيزور حسابات الشركة
وكان ناوي يبلغ عنه
لكن في نفس الوقت اكتشف إن الشخص ده كان بيهدده
قلت
يعني جوزي مات بسبب الموضوع ده؟
قال
لا
محدش قتله
لكن الضغط والخوف خلوا حالته الصحية تسوء بسرعة
هو كان عارف إنه ممكن يموت
فعمل حساب لكريم
وحط جزء من فلوسه باسمه
وطلب مني ما أقولش لك إلا لما يكبر
سكت وأنا حاسة بدموعي بتنزل
كنت طول السنين فاكرة إن آخر حاجة جوزي سابها لنا هي الحزن
لكن اكتشفت إنه ساب لنا أمان
رجعت البيت
لقيت كريم قاعد في الصالة
بصلي وقال
عرفتي؟
قعدت جنبه
وقلت
أبوك كان بيفكر فيك لآخر لحظة
قال
والفلوس؟
قلت
هتفضل باسمك
لكن مش هلمسها غير لما تبقى كبير وتعرف قيمتها
كريم ابتسم وقال
أنا مش عايز فلوسه دلوقتي
بصيتله
أمال عايز إيه؟
قال
عايزك تفرحي بيا
حضنته
وقلتله
أنا فخورة بيك من قبل ما أعرف أي حاجة عن الفلوس
وفعلا
عدت الأيام
يوسف خف وبقى بيروح المدرسة
وكريم كمل دراسته
وبعد فترة ترك الشغل في المطعم لأنه كان لازم يركز في المدرسة
لكن كل سبت كان بيروح يزور يوسف
وفي يوم وأنا واقفة في البلكونة شوفته راجع بالعجلة
نزل منها قدام البيت
وكان معاه كيس صغير
قلتله
إيه ده؟
قال
حاجة بسيطة ليوسف
ضحكت وقلت
إنت لسه بتساعده؟
قال
ماما هو ساعدني يوم ما كنت محتاج أعمل حاجة صح
دلوقتي دوري أساعده
ساعتها فهمت إن كريم ما كانش محتاج عجلة
ولا محتاج فلوس
ولا حتى كان محتاج يثبت إنه يقدر يعتمد على نفسه
هو كان محتاج بس حد يصدقه ويعلمه إن الرحمة مش ضعف
وبعد سنتين
وصلنا جواب من المستشفى
يوسف بقى كويس تماما
وبقى بيلعب كرة وبيجري مع كريم في الشارع
أما الفلوس اللي سابها أبو كريم
ففضلت محفوظة لحد ما كبر
ولما وصل للسن القانوني
قلتله
دي فلوس أبوك
اعمل بيها اللي إنت شايفه
بصلي فترة طويلة
وبعدين قال
هفتح بيها مشروع صغير
قلت
مشروع إيه؟
قال
مطعم
ضحكت
مطعم؟
قال
أيوه
وهشغل فيه ولاد صغيرين محتاجين شغل بسيط وآمن
لكن بشرط
إن كل واحد ياخد حقه كامل
ومحدش يخبي فلوسه عن أهله
بصيتله وأنا بعيط من الفخر
وقلتله
أبوك لو كان عايش كان هيبقى فخور بيك
ابتسم وقال
أنا عارف
لأنه كان بيتفرج عليا من فوق
ومن يومها فهمت إن ابني فعلا كان بيكدب عليا
لكنه ما كانش بيكدب عشان يشتري لنفسه حاجة
كان بيكدب لأنه كان شايل سر أكبر من سنه
سر علّمني إن بعض الأطفال مش محتاجين حد يعلمهم معنى الرحمة
هم بس محتاجين حد يحمي قلوبهم من الدنيا
ويفهمهم إن الطيبة جميلة
بس لازم معاها عقل
وإن مساعدة الناس عمرها ما تكون على حساب نفسك
وأهم حاجة
إن الأم ممكن تخاف من كذبة ابنها
لكن أوقات
لما تعرف الحقيقة
تكتشف إن الكذبة كانت مخبية وراها قلب صغير
كان بيحاول يعمل حاجة كبيرة جدا
من غير ما يستنى حتى كلمة شكر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




