قصص و روايات

الثانية عشر من عمري رأيت أمي

“أحيانًا.
كانت تقف آخر الشارع بعد المغرب.
ترى نور وهي تعود من المدرسة…
وتبقى تراقب نافذة غرفتك دقائق طويلة

ثم ترحل.”
اختنق شيء داخل صدري.

تذكرت فجأة تلك المرأة التي رأيتها أكثر من مرة قرب البقالة القديمة…

التي كانت تخفض وجهها كلما مررت بجانبها.

يا الله…

هل كانت أمي؟

قال أبي بصوت متعب:

“كانت خائفة أن يعرف رامز أنها اقتربت منكن.
كانت تقول دائمًا إن ابتعادها هو الشيء الوحيد الذي يبقيكن بأمان.”

ثم ساد الصمت.

صمت ثقيل…
مؤلم…

كأن البيت كله كان يحاول استيعاب السنوات الضائعة دفعة واحدة.

كأن البيت كله كان يحاول استيعاب الحقيقة معنا.

مرّت أسابيع بعد تلك الليلة.

أسابيع طويلة بدأ فيها كل شيء يتغيّر ببطء.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كان التلفاز يعمل بصوت منخفض في الصالة، ظهر خبر عاجل على الشاشة.

تم الكشف عن تورط رجل الأعمال رامز السامرائي ضمن شبكة كبيرة لغسيل الأموال وتزوير العقارات وابتزاز أصحاب الديون.

ظهرت تقارير عن شركات وهمية، وتحويلات مالية مشبوهة، وعقارات مسجلة بأسماء مزيفة.

وكان اسم رامز السامرائي يتكرر في كل مكان.

القنوات تتحدث عنه.

والصحف تنشر صوره.

والناس بدأت تكتشف أن الرجل الذي بدا محترمًا طوال سنوات لم يكن سوى واجهة لشبكة كبيرة من الابتزاز والفساد.

وبعد أيام…أُلقي . ولأول مرة منذ سنوات طويلة…شعرتُ أن الخوف بدأ يخرج من البيت فعلًا.ومنذ تلك الليلة…بدأ هاتف أبي يرنّ مجددًا.كانت أمي.في البداية كانت المكالمات قصيرة ومترددة، كأنها لا تصدق أن الرجل الذي طاردها سنوات أصبح خلف القضبان أخيرًا.ثم بدأت تتحدث أكثر.تسأل عنّا.عن البيت.عن تفاصيل صغيرة مضى عليها عمر كامل.

وكأنها تحاول العودة إلينا تدريجيًا…

صوتًا بعد صوت.

ثم تحولت المكالمات إلى رسائل طويلة.

رسائل مليئة بالتعب…

والندم…

وكل الكلمات التي ضاعت بينهما طوال اثنتي عشرة سنة.

كان أبي يجلس أحيانًا قرب النافذة بعد أن ننام، ممسكًا بهاتفه بصمت، ثم يخرج إلى السطح حتى لا نراه وهو يبكي.

وفي إحدى الليالي، استيقظتُ صدفة وسمعته يقول لها بصوت :

“تعبنا يا أم زهراء… ارجعي.”

ساد الصمت للحظات عبر الهاتف.

ثم سمعته يضيف:

“والله ما عاد يهمني شيء غير أن تعودي.”

لم أسمع ردها…

لكنني سمعت بكاءها.

ومنذ تلك الليلة، صار أبي ينتظر مكالمتها كل مساء.

وأحيانًا كانت ترسل صورًا بسيطة من المكان الذي تختبئ فيه؛ كوب شاي، نافذة مطلة على شارع قديم، أو سماء البصرة

وقت المغرب.
كأنها تحاول أن تعود إلينا تدريجيًا…

صورة بعد صورة.

أما أنا…

فكنت أقرأ الرسائل القديمة التي تركتها داخل الصندوق مرة بعد مرة، وأشعر في كل مرة أنني أتعرف إلى أمي لأول مرة.

لكن القصة لم تنتهِ عند ذلك.

فبعد شهر تقريبًا…

انتشر خبر جديد هزّ الجميع.

لكن الناس ظلوا يتهامسون طويلًا أن رجالًا أكبر منه قرروا إسكاتَه قبل أن يتكلم أكثر.

أما نحن…

فلم نعد نملك طاقة للبحث خلف حقيقة أخرى.

كان يكفينا أن كل شيء انتهى أخيرًا.

وبعد أيام قليلة…عادت أمي.ليس

أتذكر أنني كنت أقف قرب النافذة حين رأيتها تنزل من سيارة الأجرة آخر الشارع.

كانت تحمل حقيبة صغيرة فقط.

وشعرها امتلأ بالخصلات البيضاء.

لكنها حين رفعت رأسها نحونا…

رأيت أمي نفسها.

ركضت نور نحو الباب أولًا وهي تبكي، بينما وقف أبي في مكانه للحظات طويلة وكأنه لا يصدق أن هذه اللحظة حدثت أخيرًا.

أما أنا…

فبقيت أحدّق فيها.

ثم اقتربت مني ببطء.

وقالت بصوت :

“هل ما زال هناك مكان لي بينكم؟”

شعرتُ وحدها.

وفي تلك الليلة…

عاد صوت ناظم الغزالي يملأ البيت من جديد.

وعاد أبي يُعد الشاي وهو يغني بصوت خافت.

أما أمي…

فجلست بيننا تضحك وتبكي في الوقت نفسه، وكأنها تحاول أن تعوض اثنتي عشرة سنة دفعة واحدة.

ولأول مرة منذ طفولتي…

شعرتُ أن البيت لم يعد خائفًا.

وفي آخر الليل، وقفتُ وحدي قرب المرآة أتأمل وجهي طويلًا.

وهمستُ لها أخيرًا:

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى