روايات وقصص

انجب الظابط

في صيف عام 1782، كانت الشمس تحرق أرض فيراكروز بالمكسيك، وكانت الحياة داخل المزارع الضخمة تسير وفق نظام لا يرحم الضعفاء. خلف البوابات الحديدية والقصور المزينة بالذهب، عاش أصحاب النفوذ في رفاهية لا حدود لها، بينما كان الخدم والعمال يعيشون حياة لم يكن مسموحًا لهم فيها حتى بالاعتراض.

في واحدة من أكبر تلك المزارع، كان يعيش ضابط عسكري يُدعى إغناطيو فالفيردي، رجل يمتلك الأراضي والمال والسلطة، ويحظى باحترام كبار المسؤولين. كان يظهر أمام الجميع باعتباره نموذجًا للشرف والانضباط، ويتحدث دائمًا عن سمعة العائلة والتقاليد والأخلاق.

لكن لم يكن أحد يعرف ما يحدث خلف أبواب جناحه الخاص، ولا السر الذي ظل يخفيه لسنوات طويلة.

داخل مطبخ المزرعة، كانت تعمل شابة تُدعى إيتزل، تنتمي إلى شعب الميستيك الأصلي. كانت فتاة صامتة لا تستطيع الكلام منذ طفولتها، لكنها كانت تفهم كل ما يدور حولها، وتعبّر عن نفسها بعينيها ويديها وبعض الكلمات التي تعلمت كتابتها بمساعدة امرأة عجوز كانت تعمل معها.

لم تكن إيتزل تملك قرارها في شيء، فقد عاشت في ظروف صعبة قيدت حريتها، وأصبحت في خدمة رجل اعتقد أن له الحق في التحكم في حياة الآخرين كما له الحق في أرضه وخيوله.

ومع مرور الوقت، حدث ما لم يكن من الممكن إخفاؤه إلى الأبد. رزقت إيتزل بطفلها الأول، وكان الشبه بينه وبين إغناطيو واضحًا بصورة أثارت انتباه كل من رآه. لكن الضابط أمر بإبعاد الطفل عن الأنظار، وأصدر تعليمات صارمة بألا يتحدث أحد عن الأمر.

لم يكن هذا الطفل الأخير. فخلال السنوات التالية، رزقت إيتزل بستة أطفال آخرين، حتى أصبح لديها سبعة أطفال جميعهم من إغناطيو.

كانوا يعيشون في مبنى صغير خلف المطبخ، بعيدًا عن أعين الضيوف، ولم يكن مسموحًا لهم بالاقتراب من القصر الرئيسي. وعندما يسأل أحد عنهم، تكون الإجابة أنهم أبناء إحدى العاملات.

كان إغناطيو يظن أن المال والسلطة كافيان لإخفاء الحقيقة، وأن الأطفال سيكبرون دون أن يعرف أحد صلتهم به.

لكن المشكلة أن الأطفال كانوا يحملون ملامحه بوضوح شديد؛ نفس العينين، ونفس شكل الوجه، وحتى بعض الحركات التي اعتاد أفراد عائلته القيام بها.

وكان هناك شخص واحد في القصر بدأ يلاحظ هذا الشبه أكثر من أي شخص آخر. زوجته بياتريس دي ميندوزا.

كانت بياتريس امرأة تنتمي إلى عائلة ثرية، وتزوجت إغناطيو منذ سنوات طويلة. عاشت معه حياة تبدو مثالية أمام المجتمع، وكانت تحضر الحفلات الرسمية وتستقبل الشخصيات المهمة وتحرص على أن يظهر زوجها دائمًا في أفضل صورة.

لكن زواجهما لم يكن سعيدًا كما يعتقد الناس. فقد كانت بياتريس تعاني من سنوات طويلة من الإهمال، وكانت تشعر أن زوجها يخفي عنها أشياء كثيرة. وكلما حاولت الاقتراب من أسراره، كان يواجهها بالغضب ويذكرها بأن شؤون المزرعة والعمال لا تخصها.

في البداية، لم تكن تتخيل أن الأمر يتعلق بأطفال. حتى جاء ذلك الصباح الذي غيّر حياتها.

كانت تبحث عن إحدى الخادمات عندما سمعت صوت بكاء طفل قادمًا من مبنى قديم خلف المطبخ. اقتربت من الباب، ودفعته بهدوء، لتجد أمامها مجموعة من الأطفال يجلسون حول امرأة شابة.

توقفت بياتريس في مكانها. كان أحد الصبية يرفع رأسه نحوها، وعندما التقت عيناه بعينيها، شعرت بصدمة لم تستطع تفسيرها. كان يشبه إغناطيو بصورة مخيفة.

ثم نظرت إلى بقية الأطفال. لم يكن الشبه مجرد مصادفة. سبعة أطفال، تتراوح أعمارهم بين الصغير والكبير، يحملون ملامح الرجل الذي تنام بجواره كل ليلة.

اقتربت منها إيتزل بسرعة، ووقفت أمام الأطفال كأنها تحاول حمايتهم من خطر قادم. لم تتكلم، لكنها كانت تنظر إلى بياتريس بعينين ممتلئتين بالقلق.

سألتها بياتريس عن هوية الأطفال، لكن إيتزل لم تستطع الإجابة بالكلام. أشارت إلى صدرها، ثم إلى الأطفال، ثم خفضت رأسها في صمت.

في تلك اللحظة، فهمت بياتريس ما لم تكن مستعدة لفهمه. لكنها لم تصرخ، ولم تلجأ إلى العنف، ولم تذهب إلى زوجها لتواجهه. عادت إلى جناحها وهي تشعر أن حياتها كلها كانت كذبة.

وفي المساء، عندما عاد إغناطيو، نظرت إليه طويلًا، ثم سألته سؤالًا واحدًا: من هم الأطفال الذين يعيشون خلف المطبخ؟

تغير وجهه للحظة، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه. قال لها ببرود إنهم أبناء إحدى العاملات، وإنه لا يريد سماع هذا السؤال مرة أخرى.

لكن بياتريس لم تصدقه. فقد كانت تعرف زوجها جيدًا، ورأت في عينيه القلق الذي حاول إخفاءه خلف غضبه.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت تبحث بنفسها. لم تعد تثق في كلام زوجها، وبدأت تراقب تحركاته وتراجع الحسابات القديمة وتبحث في الأوراق التي كان يحتفظ بها داخل مكتبه.

وبعد أسابيع من البحث، عثرت على شيء جعلها تتأكد من أن الأمر أكبر مما تخيلت. كان هناك دفتر حسابات قديم يتضمن مدفوعات متكررة لقابلة كانت تزور المبنى الخلفي، بالإضافة إلى مبالغ مالية دُفعت لبعض المسؤولين مقابل تسجيل الأطفال بأسماء لا تخص والدهم الحقيقي.

وجدت أيضًا رسائل بخط إغناطيو، يطلب فيها من أحد المشرفين نقل الأطفال بعيدًا عن الطريق الذي يسلكه الضيوف، ويحذره من السماح لأي شخص بالتحدث عن صلتهم به.

لكن أكثر ما صدمها كان رسالة قصيرة كتبها بنفسه: يجب أن يبقى هؤلاء الأطفال بعيدين عن عائلتي. لا أريد أن يحمل أي منهم اسمي، ولا أريد أن يصل هذا الأمر إلى آذان زوجتي.

قرأت بياتريس الرسالة أكثر من مرة. لم تكن المشكلة أنه غدر بها فقط، بل أنه استخدم نفوذه لإخفاء سبعة أطفال ومنعهم من أبسط حقوقهم، وتركهم يعيشون في ظروف صعبة بينما كان ينفق ثروته على الحفلات والخيول والمجوهرات.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى